12 - 10 - 2026

مفاهيم | في معني اليمين واليسار وفكرة "البديل"

مفاهيم | في معني اليمين واليسار وفكرة

واحدة من مشكلاتنا في عالم السياسة، وفي لغتها وخطابها، أننا لا نزال أسرى مفاهيم وتصنيفات طرأت عليها تحولات جذرية، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في تعريفها وفي مدلولها الآن. في مقدمة هذه المفاهيم مفهوم اليمين واليسار، وما بينهما من أطياف. ظهر مصطلحا "اليمين" و"اليسار" في السياسة لأول مرة في عام 1789 في فرنسا، حين اجتمعت الجمعية الوطنية الفرنسية لمناقشة سلطة الملك لويس السادس عشر أثناء الثورة الفرنسية، فقد حدث أن جلس الموالون للملك ودعاة الحفاظ على النظام القديم وعلى سلطة الكنيسة في الجانب الأيمن من القاعة، فيما جلس المطالبون بالتغيير والمدافعون عن سلطة الشعب وتقليص سلطة الملك في الجانب الأيسر. ومنذ ذلك الحين، يوصف المحافظون الذين يدافعون عن الوضع القائم أو أولئك الذين يبحثون عن المجد في ماضي ولى بأحزاب اليمين، بينما يوصف المطالبون بتغيير الوضع القائم والمتطلعون إلى المستقبل والمؤمنون بفكرة التقدم باليسار. وتحت كل راية من هاتين الرايتين العاليتين، ظهرت توجهات كثيرة، تمايزت بدورها إلى يمين ويسار. ومع بروز تيارات تسعى إلى الوقوف على أرض وسط بين التيارات وترسخ مفهوم الطيف السياسي بدأت تتنوع التصنيفات، قربًا وبعداً عن الوسط، وأضيفت مسميات أخرى لتمييز هذه التيارات على أساس الموقف الذي يتبناه كل فصيل.  

اليوم، يتحدى فوز "حزب البديل من أجل ألمانيا"، الذي يصف نفسه بأنه حزب "يميني" فيما يضيف آخرون لفظ "متطرف" أو "راديكالي" في وصفه، الدلالة الاصطلاحية المتعارف عليها لتصنيف اليمين واليسار، إذ يدعو هذا الحزب، كما تدعو أحزاب يمينية أخرى في أوروبا وخارجها، إلى تغيير جذري في السياسات العامة المتبعة. ورأينا تبادلا للمواقع بين أحزاب اليسار الذي كان مطالباً بالتغيير، وبين أحزاب اليمين والقوى المحافظة التي كانت تدافع عن الوضع القائم، في السياسات الأوروبية وفي سياسات كثير من النظم الديمقراطية التي استقرت فيها التعددية السياسية والحزبية، وشهدنا تشكيل حكومات تحالفت فيها أحزاب من اليمين ومن اليسار، وتحدث علماء السياسة والاجتماع عن طريق ثالث، خصوصًا بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي، بقيادة الولايات المتحدة، وبين المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي، الذي تفكك على أسس قومية وثقافية، ولم تقفز الصين الاشتراكية، لقيادته، لكنها انتهجت طريقا خاصاً بها في الإدارة والحكم، أطلق عليه عالم السياسية الأمريكي دانييل بيل اسم "نموذج الصين".

التعددية الثقافية وتطور النظم 

بداية، المعنى اللغوي لليمين واليسار المرتبط بالثقافات التقليدية والدينية، مختلف تماما عن المعني التاريخي للمصطلحين، في سياقاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ارتبط اليمين لغويّاً في كثير من الثقافات بالمهارة والصفات الحميدة، فيما ارتبط اليسار في بعض اللغات والثقافات بالشر أو الأذى. وتاريخيًا، كانت أحزاب وقوى اليمين تُمثل التيارات المحافظة والتقليدية، التي تؤمن بأهمية الحفاظ على الاستقرار، وتتمسك بالقيم الدينية والوطنية، فيما قامت الدول بعد الحرب العالمية الثانية على مبادئ العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، وتقليل الفوارق الطبقية بين أفراد المجتمع، وكانت تلك المبادئ مطلبا لقوى اليسار التي كانت تُمثل التيارات التقدمية والإصلاحية المطالبة بالتغيير والمدافعة عن فكرة التقدم. اليوم، تقف هذه القوى اليسارية لتُدافع عن الوضع الذي تأسست عليه الديمقراطيات الغربية بعد عام 1945، فيما تدعو أحزاب اليمين إلى تغييره، وتطرح نفسها على أنها البديل القادر على إحداث هذا التغيير. اللافت للنظر أن القواعد الاجتماعية التي كانت داعمة لليسار تحولت إلى دعم أحزاب اليمين، لاسيما في صيغتها الشعبوية. 

ربما لا يزال هناك معني لمصطلحي اليمين واليسار من منظور الاختيارات الاقتصادية. فاليمين يدعم الرأسمالية، والسوق الحرة، وقلة الضرائب، وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد، بينما يدعم اليسار تدخل الدولة لتنظيم السوق، وتوفير الخدمات العامة، وحماية الطبقات الفقيرة عبر سياسات عامة لإعادة توزيع الثروة والدخل، لكن مع صعود التيارات الشعبوية وتزايد التفاوتات الاجتماعية على الصعيدين العالمي والوطني، وما يؤدي إليه من حالة استقطاب سياسي حاد، وما يؤدي إليه من إعادة اصطفاف للقوى الاجتماعية والسياسية، والتركيز على أشكال الانقسامات الأخرى ذات الطابع العقائدي أو الديني أو الثقافي، لإخفاء الأساس الاقتصادي الاجتماعي للانقسام، تتقلص مساحة التعددية، خصوصا مع احتدام الصراع بين البرامج السياسية المختلفة، في وقت تتراجع فيه السياسة عن ممارسة دورها في إدارة التناقضات داخل المجتمعات وفيما بينها ومع تزايد الاعتماد على القوة وأدواتها في فرض السلطة، وفي التعامل مع التحديات التي تواجهها المجتمعات المختلفة، والأزمة التي تعاني منها الدولة، سواء في النظم الديمقراطية المستقرة في الدول الغربية أو في الدول التي تخضع لأشكال مختلفة من التسلط والحكم الاستبدادي. 

يقف وراء هذا الاستقطاب، التفاوت المتزايد في الثروة والسلطة، حسبما جاء في تقرير عدم المساواة العالمي، في إصداره الأحدث في عام 2026، الذي أشار إلى أن هذا التفاوت يأتي في وقت حرج، تشهد فيه مستويات معيشة كثير من الناس، في أنحاء كثيرة من العالم، ركوداً مع تركز الثروة والسلطة في أيدي قلة في القمة، ويحذر من أن التطورات المرتبطة بهذا التفاوت الشديد في توزيع الثروة والدخل أدت إلى تقويض الثقة في الحكومات، وإضعاف الديمقراطيات، وتأجيج مشاعر الاستياء، وهي عوامل تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية خطيرة. اللافت أن هذا التحذير من اقتصاديين لا يعارضون النظام الرأسمالي من حيث المبدأ، مثل الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيجليتز، أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا، الذي اشترك مع أستاذة الاقتصاد الهندية جياتاي جوش في تحرير هذا التقرير. لكن ستيجليتز الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد في عام 2001، يعد من أبرز منتقدي السياسات التي تعمق التفاوت.

لعل النقطة الأهم في تقرير عدم المساواة العالمي الأخير هي الإشارة إلى أن كبار الأثرياء في العالم يُساهمون بنسبة ضئيلة - وبشكل غير متناسب - في المالية العامة للدول؛ وأن معدلات الضرائب الفعلية مرتفعة بالنسبة لغالبية السكان، بينما تنخفض انخفاضاً حاداً لدى المليارديرات وأصحاب الثروات التي تبلغ مئات الملايين، الأمر الذي يعمق التفاوتات الاجتماعية والسياسية ولا يحد منها. الأخطر أن لهذه السياسات الضريبية التي تفضح عجز الحكومات في مواجهة أصحاب الثروات، نتائج تتجاوز تقويض العدالة الضريبية، إلى حرمان المجتمعات من الموارد اللازمة للتعليم والرعاية الصحية والتصدي للتغير المناخي. إن التفاوت في الثروة يؤدي إلى تفاوت هائل في الفرص على الصعيد العالمي وعلى مستوى السياسات الوطنية. ويشير التقرير إلى أن الفجوة في نصيب الفرد من الدخل بين أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء نحو عشرة أضعاف، وأن الفجوة في الإنفاق العام على التعليم لكل طالب في سن الدراسة تصل إلى ما يقرب من خمسة وثلاثين ضعفاً، مما يعني استمرار التفاوت بين الأثرياء والفقراء في المستقبل.

وخلافا للآراء الشائعة التي تقدم مبررات زائفة للتفاوت في الدخل بين البلدان وداخل المجتمعات، يشير التقرير إلى البلدان والطبقات الاجتماعية الأقل دخلا، هي التي تمول رخاء الأثرياء ونمط حياتهم غير المستدام الذي يشكل تهديدا للبيئة، ليست وليدة الصدفة وإنما تعكس إرثاً تاريخياً، وتعكس آليات عمل المؤسسات واللوائح والسياسات، التي ترتبط جميعها بعلاقات قوى غير متكافئة. ويشير التقرير في مقدمته إلى أن التاريخ والتجارب الدولية والنظريات تظهر أن التفاوت الصارخ في مستويات الدخل والثروة ليس أمراً حتمياً؛ وإنما هو نتيجة لاختيارات سياسية يمكن تغييرها من خلال الضرائب التصاعدية، والاستثمار الاجتماعي القوي، ومعايير العمل العادلة، والمؤسسات الديمقراطية، وهو أمر نجح في تقليص الفوارق في العديد من الدول في الماضي، ويمكن تحقيقه مجدداً، وهو ما يسعي "تقرير التفاوت العالمي" إلى اثباته ويوفر الأساس التجريبي والإطار الفكري الذي يساعد على تحقيق ذلك. 

يرى مؤلفو التقرير وكثير من الاقتصاديين أن الأمر لا يتطلب سوى توفير الأبحاث الجادة والمستقلة وتوافر الإرادة السياسية. هذه الإرادة تحديدا هي سبب رئيسي للمشكلة ولكي تصبح آلية للحل، فإننا بحاجة إلى وعي جديد يمهد الطريق لقيام تحالفات اجتماعية وسياسية على المستوى الوطني، وأيضا على مستوى عبر وطني وحشد الدعم للبرامج السياسية التي تطرحها هذه التحالفات من أجل سياسات جادة لتوفير الموارد اللازمة لإجراء سياسة تصحيحية تمكن الفقراء وتحد من التفاوتات الشديدة في توزيع الثروة والدخل والنفوذ السياسي، وتتصدى للسياسات التي تقوض الديمقراطية وتفرض حكومات فاشية قد تؤجج الصراعات على أسس عقائدية أو أيديولوجية أو طائفية. السؤال الرئيسي الذي يتعين التصدي له، كيف يمكن للنخبة المتعلمة التي تعي خطورة استمرار هذا التفاوت أن ترتقي بوعي الجمهور العام الذي يدفع الثمن الأكثر فداحة نتيجة لسياسات الحكومات التي تشكلها أحزاب تنجح عبر أساليب ممنهجة في كسب أصوات أغلبية جمهور الناخبين، لتستغل هذه الأغلبية في تطبيق سياسات تتعارض بشكل صارخ مع مصالح الأغلبية وتخدم مصالح الأقلية التي تستحوذ على الثروة والنفوذ. كيف يمكن تغيير وغي جمهور الناخبين المستلب بدعاوى قومية أو دينية أو عرقية لتغيير الوضع؟ كيف يمكن اقناع ساسة في بلدان الجنوب بأن السياسات التي يتبعونها لا تعمل في صالح الشعوب والدول التي يحكمونها، وأن الحل إنما يمكن في اتباع سياسات بديلة، والأهم معرفة لماذا تفشل البرامج البديلة في كسب ثقة غالبية الناخبين.  

اليسار والإسلام السياسي

تلعب الأيديولوجيات السياسية الرائجة اليوم دورا كبيرا في تغييب الجمهور العام، والأهم أن هذه الأيديولوجيات تشوش رؤية الأحزاب السياسية التي تدافع عن سياسات مدنية ديمقراطية ومصالح اجتماعية محددة، بسبب فصل مفهوم المصلحة عن العمل السياسي المنظم، والذي يعد سبباً رئيسياً للمأزق الراهن الذي تواجهه السياسة، التي لا تزال أسيرة للغة القديمة والخطاب القديم. فشعار "ماجا" وهو اختصار الأحرف الأولى لعبارة "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، الذي يروج له الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نموذج فج للدور الذي تلعبه الدعاية والأيديولوجية في تزييف وعي جمهور الناخبين وتمرير سياسات تتعارض بشكل صارخ مع مصالح غالبية الأمريكيين.

لكن ثمة مثال أكثر وضوحًا في البلدان العربية يتمثل في التحالفات السياسية التي نشأت بين أحزاب يسارية وأحزاب وجماعات تنتمي إلى تيار الإسلام السياسي في عدد من البلدان العربية، والتي رصدها مقال "اليسار في متاهة الإسلام السياسي: من وهم الجبهة الشعبية إلى مصيدة الدولة الدينية"، والموقع باسم مسعود محمد، والذي نشره سياسي كردي عراقي من خلال حسابه على الفيسبوك يوم 4 يوليو الماضي. أشار إلى أن أزمة بعض أحزاب اليسار مع الإسلام السياسي، وأحزاب أخرى من خارج اليسار، تستند إلى خطأ أعمق، يتمثل في اعتقاد هذه الأحزاب بأن جمهور التيار الإسلامي، "يمكن عزله بسهولة عن البنية السياسية التي تنظمه، وأن الفقراء الذين يتحركون خلف الإسلاميين يمكن تحويلهم، بمجرد التحالف، إلى قوة تعمل لصالح أحزاب يسارية أو ديمقراطية"، ولم تكلف هذه الأحزاب نفسها عناء العمل على تغيير وعي هذا الجمهور الذي يجعله مهيأ للسير وراء الأحزاب الدينية، والأخطر أنه في كثير من الحالات لا ترى هذه الأحزاب الخيوط القوية التي تربط الأحزاب الدينية بالسلطة وقاعدتها الاجتماعية.

إن شعار "الإسلام هو الحل"، الفارغ من أي مضمون سياسي أو اجتماعي، الذي تبنته جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب التي تحالفت معها ضمن قائمة التحالف الإسلامي في انتخابات مجلس الشعب عام 1987، والذي لقي رواجاً لدى جمهور الناخبين يقدم مثالا واضحا لمأزق الأحزاب السياسية المصرية، وفشلها في انتاج تصور بديل يكسر الثنائية الحاكمة للسياسة المصرية منذ عام 1952، والتي تضع المواطنين في مواجهة اختيار مغلق بين نموذجين هما وجهان لعملة الاستبداد السياسي، لم تنجح هذه الأحزاب إلى الآن في تطوير برنامج للانتقال المدني الديمقراطي، ولم تتمكن من اغتنام الفرصة التي سنحت عام ثورة يناير 2011، لوضع تصور لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع على أساس المواطنة. قد تكون خلاصة تجارب التحالف هذه التي يرصدها المقال مقدمة تستدعي النظر في التجارب الأخرى في محاولة لتلمس الخطوات لبناء بديل مدني ديمقراطي. 

لاحظ المقال أن المستفيد الأكبر من مثل هذه التحالفات هو تيار الإسلام السياسي الذي نجح من خلال هذا التحالف في توسيع شرعيته، ثم العمل على عزل التيارات الأخرى عن الجمهور في سياق تحالفه مع السلطة أو في سياق الصراع معها. تيارات اليسار وغيرها من تيارات مدنية تخشى إعلان موقفها الداعم للفصل بين الدين والدولة وفصل السياسة عن الدين، والبحث عن مصادر أخرى للشرعية تقوم على مبادئ الديمقراطية والمساءلة. لم تتعلم كثير من الأحزاب من تجربة حزب توده الإيراني مع ثورة الخميني، لأنها لا تمتلك رؤية تساعدها على تحليل التناقضات في المجتمع في لحظة محددة، ولا تتمتع بمرونة تنظيمية تمكنها في اغتنام الفرص لتطوير برنامجها الخاص للتغيير. 

الأخطر أن كثيرا من القوى السياسية غير المحسوبة على تيار الإسلام السياسي، لاسيما القوى والشخصيات التي تعمل في الخارج، مستمرة في هذا السلوك دون أن تمحص في مشروع المعارضة أو في شكل النظام البديل الذي تتطلع إليه: هل تريد المعارضة الديمقراطية بوصفها تعددية ومواطنة وحقوقاً، أم مجرد وسيلة للإطاحة بالسلطة القائمة؟ الهروب من الإجابة على هذه الأسئلة هو السبب الرئيسي في رفض جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها للبدء بوضع دستور جديد بعد الإطاحة بالرئيس حسني مبارك في عام 2011، والاكتفاء بإدخال تعديلات على الدستور القائم من أجل الانفراد بوضع دستورها الخاص، أو هكذا توهم زعماؤهم. الأمر ذاته تكرر في تجارب أخرى في البلدان العربية، مثل تجربة تحالف حزب التقدم والاشتراكية المغربي مع حزب العدالة والتنمية. لعل أخطر ما في تجربة التحالفات من هذا النوع أنها ساهمت في تمييع الحدود السياسية بين اليسار واليمين، ولم تسمح بتطوير بدائل واضحة، وإذا كان لا بد من التحالف في لحظة محددة، بإن هذا التحالف ينبغي أن يقوم على تحليل واضح للقوى الاجتماعية التي يرتكز عليها. 

ثمة إشكالية أخرى في مثل هذه التحالفات ناجمة عن القضية الوطنية ومقاومة سياسات الاحتلال الإسرائيلي العدوانية، على النحو الذي جسدته تجربة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي تشكلت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982، وما أصابها بعد ذلك نتيجة صعود حزب الله، ونقل مركز الثقل إلى نوع من المقاومة الحزبية والمذهبية، والذي منع الإجابة على سؤال محوري فيما يخص حزب الله، لا يزال مطروحا على السياسة اللبنانية إلى اليوم، فحزب الله ساهم في تكريس وضع الدولة اللبنانية كدولة وطنية غير مكتملة تحولت الطائفية فيها إلى آلية للحكم، واستعمال الدولة للطوائف لضمان السيطرة الطبقية والسياسية، لكنها بهذا الاستعمال نفسه تمنع قيام وحدة وطنية حقيقية. فهي تحتاج إلى الطائفية لتحكم، لكنها بسبب الطائفية تعجز عن أن تصبح دولة مواطنين، وأصبحت أيديولوجيا تخفي الصراع على السلطة والثروة والتمثيل والهيمنة.

إذا كانت تجارب أحزاب اليسار مع الإسلام السياسي انتهت إلى تكريس سلطة الإسلاميين، فكيف يمكن أن يمضي الأمر مع أحزاب سياسية مدنية لا تستند إلى أيديولوجية تقف على النقيض مع أيديولوجية الإسلاميين. القاسم المشترك بين أحزاب اليسار وبين الأحزاب المدنية الأخرى يتمثل في تطوير مشروع مدني ديمقراطي، قادر على طرح تصورات بديلة وتقديم حلول تساعد على الخروج من المأزق الراهن، وفتح الباب أمام أشكال جديدة للتحالفات الاجتماعية والسياسية التي تساعد على تبني سياسات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تحسن من شروط العيش للغالبية الساحقة للمواطنين، وتدافع عن مصالحهم في مواجهة سياسات تؤدي إلى تهميشهم وإلى احتدام التناقضات الاجتماعية والسياسية وما تؤدي إليه من أوضاع غير مستقرة وخطرة. إن العمل على بناء البديل المدني الديمقراطي في استقلالية عن أي مظلة قد توفرها المؤسسات الدينية أو تيارات الإسلام السياسي هو بداية التفكير في وضع أسس وركائز جديدة للشرعية السياسية.  
----------------------------
بقلم: أشرف راضي


مقالات اخرى للكاتب

مفاهيم | في معني اليمين واليسار وفكرة